الغزالي

63

إحياء علوم الدين

عليهم نار ذات لهب ، وسمعوا لها زفيرا وجرجرة تفصح عن شدّة الغيظ والغضب ، فعند ذلك أيقن المجرمون بالعطب ، وجثت الأمم على الركب ، حتى أشفق البرآء من سوء المنقلب ، وخرج المنادى من الزبانية قائلا : أين فلان بن فلان المسوّف نفسه في الدنيا بطول الأمل ، المضيع عمره في سوء العمل ؟ فيبادرونه بمقامع من حديد ، ويستقبلونه بعظائم التهديد ، ويسوقونه إلى العذاب الشديد ، وينكسونه في قعر الجحيم ، ويقولون له * ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) * « 1 » فأسكنوا دارا ضيقة الأرجاء ، مظلمة المسالك ، مبهمة المهالك ، يخلد فيها الأسير ويوقد فيها السعير . شرابهم فيها الحميم ، ومستقرهم الجحيم ، الزبانية تقمعهم ، والهاوية تجمعهم . أمانيهم فيها الهلاك ، وما لهم منها فكاك . قد شدّت أقدامهم إلى النواصي ، واسودّت وجوههم من ظلمة المعاصي . ينادون من أكنافها ، ويصيحون في نواحيها وأطرافها ، يا مالك قد حق علينا الوعيد ، يا مالك قد أثقلنا الحديد ، يا مالك قد نضجت منا الجلود ، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود . فتقول الزبانية هيهات لات حين أمان ، ولا خروج لكم من دار الهوان فاخسئوا فيها ولا تكلمون ، ولو أخرجتم منها لكنتم إلى ما نهيتم عنه تعودون . فعند ذلك يقنطون ، وعلى ما فرّطوا في جنب الله يتأسفون . ولا ينجيهم الندم ، ولا يغنيهم الأسف ، بل يكبون على وجوههم مغلولين ، النار من فوقهم ، والنار من تحتهم ، والنار عن أيمانهم ، والنار عن شمائلهم ، فهم غرقى في النار ، طعامهم نار ، وشرابهم نار ، ولباسهم نار ، ومهادهم نار . فهم بين مقطعات النيران ، وسرابيل القطران ، وضرب المقامع ، وثقل السلاسل ، فهم يتجلجلون في مضايقها ويتحطمون في دركاتها ، ويضطربون بين غواشيها . تغلي بهم النار كغلي القدور ويهتفون بالويل والعويل ، ومهما دعوا بالثبور صب من فوق رؤسهم الحميم ، يصهر به ما في بطونهم والجلود ، ولهم مقامع من حديد ، تهشم بها جباههم ، فيتفجر الصديد من أفواههم ، وتنقطع من العطش أكبادهم ، وتسيل على الخدود

--> « 1 » الدخان : 49